شرح أيقونات الآلام

______________________________

المطران سلوان

 

مقدمة

 

1.        مخطّط أحداث الآلام

تبدأ سيرة الآلام بدخول المسيح إلى أورشليم. بحسب تسلسل الأحداث في إنجيل مرقص يمكننا أن نرسم الصورة التالية عنها:

§       دخل يسوع المدينة المقدّسة يوم الأحد.

§       في اليوم التالي (الاثنين) طهّر يسوع الهيكل، وخرج من المدينة في المساء مع تلاميذه (مر 11، 19).

§       ثمّ في صباح اليوم التالي (مر 11، 20)، عاد إلى المدينة (مر 11، 27). في ذلك اليوم (الثلاثاء)، تحدّث يسوع إلى مناوئيه وأجاب على أسئلتهم وتعاليمهم باستخدامه الأمثال.

§       "يومَين قبل الفصح" (مر 14، 1)، أي يوم الأربعاء، حصل مسح يسوع بالطيب في بيت عنيا كما وخيانة يهوذا.

§       وفي اليوم الذي فيه "ذبحوا الحمل الفصحيّ" (مر 14، 12)، وعندما "صار المساء" (أي يوم الخميس)، تمّ العشاء الأخير.

§       "وفي يوم التهيئة، أي في اليوم قبل السبت" (مر 15، 42)، مات يسوع على الصليب.

§       وبعد انقضاء السبت، "باكراً جدّاً من اليوم الأوّل من الأسبوع... ذهبت النسوة إلى القبر" (مر 16، 1-2) ووجدنَ القبر فارغاً.

ليس من السهل أن نعثر عند متّى ولوقا على مخطّط الآلام نفسه كما هو عند مرقص. على الرغم من أنّ الثلاثة متّفقون حول الأمور الأساسيّة، إلاّ أنّهم يختلفون أحياناً بشأن التسلسل الزمنيّ للأحداث. يوحنّا ينضم إليهم ابتداء من إلقاء القبض على يسوع. وبعد ذلك يورد أربعتهم المشاهد بالتتابع نفسه حتّى مشهد القبر في صباح الفصح.

 

2.        التسلسل الزمنيّ والترتيب اللاهوتـيّ في الأناجيل

رتّب الإنجيليّون موادّ كتبهم بحيث تُبرز معنى حياة يسوع وتعليمه ولو أدّى هذا العمل إلى التضحية بالترتيب الزمنيّ. يبدو أنّ هذا التسلسل الزمنيّ أوضح في سرد أحداث الآلام، لأنّ أسبوع الآلام يشكّل وحدة متكاملة تقتضي السرد المتواصل.

إنّ الترتيب الزمنيّ غالباً ما يحمل في طيّاته ترتيباً لاهوتيّاً. الترتيب الزمنيّ لا يمثّل دائماً المرتبة الأولى في الأناجيل من حيث الأهميّة والأولويّة. فالأفضليّة تُعطى عادةً للترتيب حسب المواضيع. كان هاجس الإنجيليّين دائماً إيضاح معنى بعض الأحداث وربط كلّ شيء بالكشف الإلهيّ في المسيح يسوع كما وشرح معانيه وليس معرفة زمان ومكان الحدث، لذا قام الإنجيليّون بالتضحية في بعض الأحيان بالتسلسل الزمنيّ. مثال على ذلك حادثة طرد الباعة من الهيكل (متى 21، 12-13؛ مر 11، 15-19؛ لو 19، 45-48؛ يو 2، 13-25). فقد وردت بحسب الترتيب الزمنيّ في الأناجيل الإزائيّة (في أواخر حياة يسوع الأرضيّة) وبحسب الترتيب اللاهوتيّ في الإنجيل الرابع (في البداية). للطريقتَين مغزى لاهوتيّ ولكنّ إنجيل يوحنّا يعطي المعنى الأكثر عمقاً. تورد الأناجيل الثلاثة الأولى هذه الحادثة قبل الصلب بقليل وذلك عندما أتمّ يسوع تعليمه في الهيكل بعد طرد الباعة فأخذ الكهنة والكتبة يتشاورون كيف يقتلونه (مر 11، 18؛ لو 19، 47). ولعلّ يوحنا اختار حادثة طرد الباعة عملاً رمزيّاً يشير إلى أنّ حياة يسوع كانت في خطر منذ البداية وأنّ ظلّ الصليب كان مخيِّماً على كلّ عمله الخلاصيّ.

 

3.         "ساعة" يسوع قد أتتْ

أحداث الآلام تضعنا أمام مفارقة كبيرة: من جهة، مخطّط اليهود للقضاء على يسوع، ومن جهة أخرى، مخطّط الله الذي يتمّمه يسوع والذي يفوق مخطّط اليهود ويُخضعه له. في هذا السياق، يأتي الحديث عن "الساعة"، خصوصاً في إنجيل يوحنّا، ليذكّرنا بهذه المفارقة بين المخطّطَين، وليظهر موقف يسوع في تحقيق التدبير الإلهيّ بالسير طوعاً نحو آلامه وموته.

"قد دنتْ الساعة" (متى 26، 45).

لكنّها أيضاً ساعة العدوّ: "هذه ساعتكم" (لو 22، 53). ولكن أكثر من ذلك هي ساعة آلامه ومجده، الساعة التي حدّدها بنفسه وعاشها طبقاً لمشيئة الآب.

مخطّطات البشر تفشل أمام التدبير الإلهيّ. فقط عندما حانت "ساعة انتقاله من هذا العالم إلى أبيه" (يو 13، 1)، مضى يسوع إلى الموت بملء إرادته.

يرمز يسوع إلى هذه الساعة في ثلاث مرّات حاسمة: أوّلاً، في بداية غسله أرجل التلاميذ (يو 13، 3)؛ ثانياً، قبل إلقاء القبض عليه (يو 18، 4)؛ ثالثاً، قبل أن يلفظ النفس الأخير (يو 19، 28). لا يفاجئه شيء. إنّه يعرف مصيره، ويسيطر عليه سيطرة تامّة.